رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
585
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
الماضين عليهم السلام ، وبكلّ علم التوراة والإنجيل والزبور ، من غير أن يكون يعلم الكتابة ظاهراً ، أو لقي نصرانيّاً أو يهوديّاً ، فكان ذلك أعظم آياته ، وقتل الحسين بن عليّ عليهما السلام وخلّف عليّ بن الحسين عليه السلام متقارب السنّ ، وكان سنّه أقلّ من عشرين سنة ، ثمّ انقبض عن الناس ، ولم يلق أحداً ، ولا كان يلقاه إلّاخواصّ أصحابه ، وكان في نهاية العبادة ، فلم يخرج منه من العلم إلّايسير ؛ لصعوبة الزمان ، وجور بني اميّة . ثمّ ظهر ابنه محمّد بن عليّ المسمّى بالباقر لفتقه العلم ، وأتى من علوم الدين والكتاب والسنّة والسير والمغازي بأمر عظيم ، وأتى جعفر بن محمّد - صلوات اللَّه عليه - من بعده من ذلك بما كثر وانتشر ، فلم يبق فنّ من فنون العلم إلّاأتى فيه بأشياء كثيرة ، وفسّر القرآن والسنن ، ورويت عنه المغازي وأخبارالأنبياء من غير أن يُرى هو وأبوه محمّد بن عليّ أو عليّ بن الحسين عليهم السلام عند أحد من رُواة العامّة ، بل فقهائهم ، ربما كانوا « 1 » يتعلّمون منهم عليهم السلام . وفي ذلك أدلّ دليل على أنّهم إنّما أخذوا ذلك العلم عن النبيّ صلى الله عليه وآله ثمّ عن عليّ عليه السلام ، ثمّ عن واحد واحد من الأئمّة عليهم السلام ، وكذلك سائر جماعة الأئمّة عليهم السلام هذه سبيلهم في العلم ، يسألون عن الحلال والحرام ، فيُجيبون أجوبة متّفقة من غير أن يتعلّموا ذلك من أحد من الناس ، فأيّ دليل أدلّ من هذا على إمامتهم ، وأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله نصبهم وعلّمهم وأودعهم علمه وعلوم الأنبياء عليهم السلام ؟ وهل رأينا في العادات من ظهر عنه مثل ما ظهر عن محمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد من غير أن يتعلّموا ذلك من أحد من الناس ؟ فإن قال قائل : لعلّهم كانوا يتعلّمون سرّاً . قيل له : قد قال مثل ذلك الدهريّة في النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه كان يتعلّم الكتاب ويقرؤه سرّاً ، وكيف يجوز أن يظنّ ذلك في محمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد عليهم السلام ، وأكثر ما أتوا به لا يُعرف إلّا منهم ولا يُسمع من غيرهم « 2 » . انتهى . وقال الطبرسي قدّس اللَّه روحه في كتاب إعلام الورى بأعلام الهدى في الركن الثالث من الفصل الذي عقده للدلالة على إمامة زين العابدين عليه السلام قريباً ممّا ذكره الصدوق - طاب ثراه - أجببنا إيراده ؛ لأنّه هو المسك ما كرّرته يتضوّع .
--> ( 1 ) . في المصدر : - / « ربما كانوا » . ( 2 ) . كمال الدين ، ج 1 ، ص 90 .